تقرير- سارة الرحيلي- جود العنزي
8 قراءة دقيقة
25 Apr
25Apr


في أعالي الجبال الوعرة، وبين الصخور التي حفظت أسرار آلاف السنين، يتحرك بخفةٍ نادرة حيوانٌ لا يشبه سواه،  إنه النمر العربي؛ الأصغر حجمًا بين سلالات النمور في العالم، والأندر عددًا، والأكثر اقترابًا من حافة الغياب. 

ملامح نادرة وهوية فريدة  

لا يشبه النمر العربي سلالته في إفريقيا أو آسيا، فرغم أن أصوله تعود إلى إفريقيا قبل نحو ٥٠٠ ألف عام، إلا أنه ارتبط تاريخيًا بشبه الجزيرة العربية وأصبح أحد رموزها البيئية، حيث يتميز بجسمٍ أصغر حجمًا؛ إذ يبلغ وزن الأنثى نحو ٢٠ كيلوجرامًا، بينما يصل وزن الذكر إلى ٣٠ كيلوجرامًا، مع تفوق الذكور في الحجم. أما لونه، فيحمل طابعًا خاصًا؛ فالذهبي المصفر الذي يميز بقية السلالات يقتصر لديه غالبًا على الظهر، ثم يتدرج إلى الأصفر الشاحب أو الأبيض في بقية الجسد، مع عيون زرقاء لافتة تميّزه عن مثيلاته الإفريقية، ويمنحه ذيله الطويل قدرةً فائقة على التوازن أثناء تسلق الجبال، حيث يقضي معظم وقته بعيدًا عن الأنظار. ينشط النمر العربي ليلًا، ويخرج للصيد عند الفجر أو الغسق، متجنبًا حرارة النهار التي يقضيها في أماكن ظليلة مخفية،  ومع تراجع أعداده الطبيعية من الطهر العربي وغزال الجبل، اضطر للاعتماد على الماشية المستأنسة، خصوصًا الماعز، إضافة إلى الثعالب والثدييات الصغيرة والطيور وحتى الجيف، لكن هذا التغير في نمط غذائه لم يكن خيارًا، بل نتيجة مباشرة لاختفاء فرائسه الطبيعية وتدهور موائله. 

على حافة الغياب   

واليوم، لا يتجاوز عدد النمور العربية في البرية ٢٠٠ نمر فقط، وهو رقم يعكس حجم الخطر الذي يواجهه هذا الكائن، فقد دفعت الممارسات البشرية، من صيد جائر واعتداء على الموائل الطبيعية، بالنمر العربي إلى تصنيف مهدد بالانقراض بشدة وفقًا لـلاتحاد الدولي لحماية الطبيعة. ويؤكد جمال البلوي رئيس مجلس إدارة جمعية صون النمر العربي لحماية الحياة الفطرية بالعلا أن النمر العربي يُعد من أندر السنوريات في العالم، موضحًا أن التقديرات العلمية تشير إلى أن عدد الأفراد المتبقين في البرية في شبه الجزيرة العربية قد يكون أقل من ٢٠٠ نمر فقط، وهو ما يجعله ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشكل حرج وفق القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ويشير البلوي إلى أن تراجع أعداد النمر العربي خلال العقود الماضية يعود إلى فقدان الموائل الطبيعية والصيد غير المشروع، وهي عوامل ساهمت في تقلص نطاق انتشاره بشكل كبير.

جهود وطنية  

بدأ البرنامج الوطني للمحافظة على النمر العربي عام ٢٠٠٧، مستندًا إلى ثلاثة محاور رئيسة وهي  الحفاظ في البيئة الطبيعية عبر دراسات ميدانية، وتركيب أكثر من ٧٠ كاميرا مراقبة، وتنفيذ ورش عمل علمية بالتعاون مع خبراء دوليين في مجالات النمذجة البيئية والفحص الوراثي، بالإضافة إلى الإكثار في الأسر، حيث ارتفع عدد النمور في مراكز الإكثار بالمملكة، مع تبادل أفراد مع مراكز في الشارقة لضمان التنوع الجيني، فيما يتراوح إجمالي أعداد النمور العربية في الأسر بين ٥٠ و٦٠ نمرًا، وأيضاً التوعية البيئية من خلال برامج مدرسية، وأفلام توعوية، ولقاءات إعلامية، لتغيير الصورة النمطية عن المفترسات وتعزيز فهم دورها في التوازن البيئي. كما وسّع صندوق النمر العربي نطاق التوعية المجتمعية من خلال شراكات ثقافية، إذ وقّع مذكرة تفاهم مع هيئة المسرح والفنون الأدائية لدمج رسائل الحفاظ على النمر العربي في العروض المسرحية والفنون التعبيرية، إضافة إلى تنظيم ورش عمل وأنشطة مجتمعية تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية الحياة الفطرية .

ويشير البلوي إلى أن السنوات الأخيرة شهدت مؤشرات إيجابية بفضل إطلاق برامج الحماية والتكاثر، ومنها مركز إكثار النمر العربي في الطائف، إضافة إلى الجهود التي يقودها صندوق النمر العربي والهيئة الملكية لمحافظة العلا لإعادة تأهيل الموائل الطبيعية في مناطق شمال غرب المملكة، ويؤكد أن هذه البرامج تمثل خطوة مهمة نحو إعادة النمر العربي إلى بيئته الطبيعية، رغم أن تعافي أعداده في البرية ما يزال يتطلب سنوات من العمل العلمي المستمر.

موطن جديد لأملٍ قديم في مدينة العلا 

و في محافظة العلا، تقود الهيئة الملكية لمحافظة العلا مشروعًا وطنيًا متكاملًا لحماية النمر العربي، لا يقتصر على حماية النوع ذاته، بل يمتد إلى استعادة الموائل الطبيعية وخلق توازنٍ بيئي يتيح للحياة البرية والمجتمعات البشرية التعايش بتناغم. ومن أبرز المحطات، ولادة توائم ثلاثية نادرة (ذكران وأنثى) في يونيو ٢٠٢٤ داخل مركز إكثار النمر العربي التابع للهيئة، في خطوة وُصفت بأنها أملٌ جديد في مسيرة إعادة هذا الحيوان إلى البرية. كما دعمت الهيئة إطلاق صندوق النمر العربي  ليعمل كجهة مستقلة تُعنى بالحفاظ عليه إقليميًا، إلى جانب شراكات علمية مع مؤسسات دولية مثل معهد سميثسونيان الوطني لحديقة الحيوان وعلم الأحياء، الذي يسهم في دعم البحث العلمي والحفاظ على التنوع الوراثي، ومنظمة بانثيرا التي شاركت في نصب كاميرات آلية لرصد الحياة الفطرية بين عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢٤. 

يوم عالمي ورسالة أمل من أجل البقاء  

و في ١٠ فبراير من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للنمر العربي، وهو يوم أطلقته الهيئة الملكية لمحافظة العلا عام ٢٠٢٠، قبل أن تعتمد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا التاريخ رسميًا في يونيو ٢٠٢٣ يومًا عالميًا للنمر العربي. وفي عام ٢٠٢٦، جاءت الحملة العالمية تحت شعار "رحلة أمل" ، لتجسد مسارًا طويلًا من العمل المستمر، متضمنة مسيرات توعوية وجولات تعليمية لطلاب المدارس في المحميات الطبيعية، بهدف ترسيخ ثقافة الحماية في الأجيال الجديدة. ويؤكد البلوي  أن نجاح جهود الحماية يعتمد على توسيع نطاق المحميات الطبيعية، وتعزيز برامج إعادة إطلاق النمور في البرية بعد برامج الإكثار، إضافة إلى دعم البحث العلمي وإشراك المجتمعات المحلية في مشاريع الحماية والتنمية البيئية، مشددًا على أن استمرار التعاون الدولي والسياحة البيئية المستدامة يمكن أن يسهم في ضمان بقاء هذا الكائن الفريد في بيئته الطبيعية لم يكن النمر العربي مجرد حيوان بري، بل كان جزءًا من الذاكرة الثقافية لشبه الجزيرة العربية، فقد اكتُشف نقش قديم لنمر يُعتقد أنه عربي على أحد الأسطح الجبلية في محمية شرعان الطبيعية بالعلا، كما يُحفظ في المتحف الوطني السعودي تمثال حجري يعود إلى ما قبل الإسلام يُجسّد هذا الكائن، في إشارة إلى حضوره العميق في الوعي التاريخي للمنطقة. قصة النمر العربي ليست مجرد حكاية عن حيوانٍ مهدد، بل عن اختبارٍ لعلاقة الإنسان ببيئته، فبين رقمٍ مخيف لا يتجاوز ٢٠٠ في البرية، وبرامج إكثار وشراكات علمية ويوم عالمي يحمل اسمه، تتشكل معركة صامتة عنوانها: هل ننجح في إعادة النمر العربي إلى موطنه الطبيعي، أم يبقى مجرد نقشٍ على صخر؟

رابط التقرير https://new.express.adobe.com/webpage/8jXYp9Dl7og4x

المصادر :  

الهيئة الملكية لمحافظة العلا   : https://share.google/Zv0AaKLcDy1OA117Hhttps://saudipedia.com/النمر-العربي#https://www.google.com/url?q=https://www.experiencealula.com/ar/whats-on/events/international-day-of-the-arabian-leopard&sa=U&sqi=2&ved=2ahUKEwjZ2YDem9eSAxVA5QIHHcGyErYQFnoECCMQAQ&usg=AOvVaw3_p4DmjyZNnB-2uF0ZGs-3https://www.ksanature.com/arabian-leopard/ 

جمال البلوي  : رئيس مجلس ادارة جمعية صون النمر العربي لحماية الحياة الفطرية بالعلا

 https://x.com/alf_ngo/status/2022251991137743202?s=46&t=t6FW8dA58NRDKX67wSZVeQ

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.