تمُثل الجغرافيا السياسية للمملكة العربية السعودية استثناءً بيئياً بامتياز؛ إذ تقع عند نقطة التقاء استراتيجية بين ثلاث قارات رئيسية: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا. هذا التموضع الجغرافي الفريد لم يجعل منها مركزاً جيوسياسياً وتجارياً فحسب، بل جعلها واحدة من أهم الجسور العابرة للقارات للحياة الفطرية، وتحديداً للطيور.
إضافة إلى ذلك، فإن اتساع رقعة المملكة الجغرافية واحتضانها لأقاليم بيئية شديدة التباين—بدءاً من الكثبان الرملية الشاسعة في الربع الخالي والنفوذ، مروراً بالسلاسل الجبلية الشاهقة في السروات والحجاز، وصو لً إلى السواحل الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي—قد أسس لنشوء موائل بيئية دقيقة) Microhabitats( قادرة على استدامة أشكال متنوعة من الحياة الطيرية.
استناداً إلى السجلات الأورنيثولوجية الدقيقة وتوثيقات لجان رصد الطيور، يتجاوز إجمالي عدد أنواع الطيور المسجلة في المملكة 550 نوعاً. يعكس هذا الرقم غنى بيولوجياً هائلاً يستدعي تصنيفاً علمياً منهجياً لفهم ديناميكيات هذه الكائنات وعلاقاتها بنظمها البيئية، وتحديد الستراتيجيات المثلى لحمايتها.
يمكن تقسيم التنوع الطيري في المملكة، استناداً إلى الشواهد الحيوية وطبيعة الأقاليم، إلى أربع فئات رئيسية تتفاعل فيما بينها لتشكيل شبكة بيئية معقدة.
أولاً: الطيور المقيمة والمستوطنة الطيور المقيمة هي تلك التي تقضي دورة حياتها الكاملة )من التكاثر إلى التفريخ( داخل حدود المملكة. وتكمن الأهمية البيولوجية القصوى في هذه الفئة في "الأنواع المستوطنة" وهي الطيور التي ل تتواجد بشكل طبيعي في أي مكان آخر على وجه الكرة الأرضية سوى في شبه الجزيرة العربية أو المملكة تحديداً. وتضم المملكة نوعاً مستوطناً كلياً، و13 نوعاً شبه مستوطن على مستوى شبه الجزيرة.
العقعق العسيري: يُمثل العقعق العسيري الطائر الوحيد المستوطن كلياً وحصرياً داخل الأراضي السعودية. يستوطن هذا الطائر الفريد غابات العرعر الكثيفة في المرتفعات الجنوبية الغربية )منطقة عسير(. يُصنف عالمياً بأنه من أندر الطيور والمهددة بخطر الانقراض الشديد ، حيث ترتبط دورة حياته بشكل وثيق بصحة غابات العرعر. أي تدهور في هذه الغابات، سواء بسبب التغير المناخي، أو الموت التراجعي للأشجار ، أو التمدد العمراني، ينعكس فوراً على تراجع أعداد هذا النوع الذي يمثل كنزاً وراثياً وطنياً.
نقار الخشب العربي : طائر شبه مستوطن، ويُعد من المؤشرات الحيوية الدقيقة على صحة الغابات القديمة والأودية المشجرة. يُصنف بيئياً على أنه "معرض للخطر" نظراً لاعتماده على الأشجار الميتة لبناء أعشاشه والبحث عن يرقات الحشرات، مما يجعله عرضة للتأثر بعمليات الاحتطاب الجائر المباشر .
أنواع أخرى بارزة من المقيمات: تشمل القائمة أيضاً طيوراً تكيفت باقتدار مع البيئات الصحراوية المفتوحة وشبه المفتوحة، مثل النعامة الشائعة التي أعيد توطينها بعد انقراض سلالتها العربية، وقطا كستنائي البطن. هذه الطيور طورت آليات فسيولوجية فريدة للحفاظ على المياه، مثل قدرة ذكور القطا على حمل الماء في ريش صدرها لنقله إلى الفراخ في الصحاري القاحلة .
ثانياً: الطيور المهاجرة والعبور القاري يشكل المجال الجوي للمملكة ممراً إجبارياً لملايين الطيور التي تعبر سنوياً مرتين )في هجرتي الخريف والربيع( هرباً من صقيع أوروبا وشمال آسيا نحو مناطق التشتية الدافئة في أفريقيا والجزيرة العربية، ثم عودةً لمناطق التكاثر. من بين أنواع الطيور المسجلة، يُعد 280 نوعاً طيوراً مهاجرة أو زائرة شتوية . تتأثر هذه الطيور بعدد من الدوافع البيئية للهجرة، والتي تشمل التمدد العمراني في مواطنها الأصلية، اندثار الموائل، وندرة مصادر الغذاء.
وتتنوع هذه الفئة لتشمل: الجوارح العقبان والصقور: تستخدم مسارات هجرة محددة تعتمد على التيارات الهوائية الصاعدة الجافه التي تتشكل فوق اليابسة في المملكة، وتتجنب العبور المباشر فوق مساحات المياه الشاسعة .
الطيور المائية والخواضات: مثل طيور النحام )الفلامنجو(، غراب الليل، والأبالغ التي تفد إلى الأراضي الرطبة والسدود خلال فصل الشتاء. في حين تفضل طيور أخرى كالخرشنة الهجرة وعبور المملكة خلال فصل الصيف.
الحبارى الآسيوية: وهي من طيور البراري التي شهدت انخفاضاً تاريخياً، إلا أن المملكة تقود اليوم جهوداً دولية حثيثة لإكثارها وإعادة توطينها لحمايتها من الانقراض.
ثالثاً: الطيور الساحلية والبحرية تمتد سواحل المملكة لآلف الكيلومترات، محتضنةً غابات المانجروف الكثيفة، والسبخات، والجزر المرجانية التي تشكل حواضن آمنة للتفريخ بعيداً عن المفترسات البرية. هذه النظم البيئية تدعم أنواعاً شديدة التخصص .
النورس أبيض العينين والنورس الأسحم: تعتبر هذه الأنواع شبه مستوطنة في بيئة البحر الأحمر وخليج عدن. تعتمد في بقائها على الأسماك السطحية، وتتأثر بشكل مباشر بسلامة النظم البيئية البحرية وخلوها من التلوث الميكروبلاستيكي أو الانسكابات النفطية.
البجع وردي الظهر والبلشون العملاق: تعتمد هذه الطيور الضخمة على المياه الضحلة والشواطئ الطينية لصيد الأسماك. تتجلى الأهمية الإيكولوجية لهذه السواحل في جزر فرسان. ففي مطلع عام 2025، نفذ المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية برنامج "التعداد الشتوي السنوي للطيور المائية" في المحمية. كشف المسح البيئي الدقيق عن تسجيل أكثر من 10 آلف طائر مائي يمثلون 45 نوعاً مختلفاً متواجداً في المحمية، مما يعكس الأهمية العالمية لموائل فرسان الرطبة كمحطة حيوية للتغذية والراحة والتكاثر للطيور العابرة للقارات.
رابعاً: الطيور الجبلية تتميز المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية )جبال الحجاز والسروات( بتضاريس قاسية وطبوغرافيا معقدة، مما فرض على الطيور التي تقطنها تكيفات سلوكية وفسيولوجية عالية.
الحجل العربي: طائر أرضي يتميز بالقدرة على التمويه بين الصخور، ويشكل مصدراً غذائياً هاماً للمفترسات الجبلية مثل النمر العربي والثعالب، وتعُد أعداده مستقرة نسبياً أو في تزايد نظراً لقدرته العالية على التكيف.
حجل فيلبي: يتواجد في المرتفعات الشاهقة، ويواجه تحديات بسبب تناقص نطاقه الجغرافي والرعي الذي يؤثر على الغطاء النباتي الأرضي الذي يخفي أعشاشه .
سمنة اليمن والغراب مروحي الذيل: تعتمد هذه الطيور على الغابات المفتوحة والمدرجات الزراعية الجبلية للحصول على الغذاء .
إن الحفاظ على هذه الشبكة المعقدة من الطيور المقيمة والمهاجرة ل يتم بجهود عشوائية، بل من خلال منظومة حوكمة بيئية محكمة ومؤسسات علمية متخصصة. دور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية) NCW( يضطلع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بالدور السيادي والتشغيلي لحماية التنوع الأحيائي البري والبحري في المملكة، محققاً مستهدفات الستدامة البيئية. يقوم المركز بإدارة شبكة واسعة من المحميات، وتنفيذ برامج الإكثار وإعادة التوطين لإعادة الكائنات المهددة بالنقراض إلى بيئاتها الطبيعية.
في تصريح حديث ضمن سياق الإطلاقات البيئية، أكد الدكتور محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز، أن مبادرات الإطلاق تتبع معايير علمية دقيقة؛ حيث تخضع الطيور لعمليات أقلمة) Acclimatization( صارمة قبل الإطلاق لضمان تكيفها مع بيئة المنطقة المستهدفة. وأشار إلى أن الفرق المختصة تقوم برصد القطعان بعد الإطلاق ومتابعتها لتقييم نجاحها في التكيف والتكاثر بشكل طبيعي في البرية، باستخدام أحدث تقنيات التعقب والمراقبة الفضائية لفهم مساراتها والمخاطر التي تواجهها.
وقد شملت هذه المبادرات النوعية: إطلاق 22 طائراً برياً مهدداً بالانقراض في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، تضمنت 19 من طيور الحبارى الآسيوية، ونسرين أسمرين، بهدف ترميم السلاسل الغذائية الجبلية والصحراوية. إطلاق طيور الحجل الشائع في محمية شرعان بمحافظة العلا بالتعاون مع الهيئة الملكية.
إعادة توطين الطيور في البيئات الجبلية العالية كمنتزه السودة لتعزيز التوازن البيئي وتنظيم السلاسل الغذائية المحلية عبر التحكم في أعداد الحشرات والقوارض . إعادة تأهيل وإطلاق الطيور البحرية في كورنيش جدة، والتي شملت أكثر من 60 طائراً )نوارس كبيرة بيضاء الرأس، ودجاج الماء، وطائر اللقلق(، وذلك بعد تلقيها الرعاية البيطرية اللازمة لتستأنف أدوارها الإيكولوجية.
كما يتولى المركز تنظيم "موسم الصيد"، مستنداً إلى دراسات علمية تحدد الفترات الزمنية المسموحة وأنواع الطيور المسموح صيدها، وذلك بهدف منع الستنزاف الجائر وتطبيق رقابة ميدانية صارمة بالتعاون مع القوات الخاصة للأمن البيئي. وعلى الصعيد الدولي، تدعم المملكة بشكل فاعل جهود الأمم المتحدة لحماية الطيور المهاجرة.
وفي هذا الصدد ،أشار الدكتور قربان قائلاً: "تدرك المملكة العربية السعودية أهمية التعاون الدولي في حماية الطيور المهاجرة التي تعبر سماءنا وتربط قاراتنا. من خلال دعمنا لفرقة العمل الخاصة بجنوب غرب آسيا لمكافحة الصيد غير المشروع، فإننا نعيد التأكيد على التزامنا بضمان ممر آمن لهذه الطيور للأجيال القادمة."
إسهامات المجتمع المدني: جمعية حماية الطيور أنموذجا ً
ل تكتمل دائرة الحماية دون تفعيل دور المجتمع المدني )القطاع الثالث(. تعُد "جمعية حماية الطيور"، المرخصة من المركز الوطني لدعم القطاع غير الربحي )برقم 5306(، جهة أهلية فاعلة تتخذ من التوعية والبحوث أساساً لعملها. تبُرز الجمعية )كمصدر مؤسسي حي( الأدوار الإيكولوجية الخفية للطيور، والتي تشمل تلقيح الأزهار، نثر البذور، ومكافحة الآفات الزراعية كالحشرات والقوارض، إضافة إلى دور الطيور القمامة في التخلص من جيف الحيوانات النافقة، مما يحد من انتشار الأوبئة. وتسلط الجمعية الضوء على التحديات والممارسات الخاطئة التي تهدد الطيور في المملكة، مثل التمدد العمراني الجائر، ومخاطر "التكهرب والصطدام بخطوط الكهرباء" ذات الجهد العالي، والتي تشكل خطراً قاتلاً للطيور المهاجرة الضخمة كالعقبان والنسور. علاوة على ذلك، تعمل الجمعية على تدريب الشباب وتأهيلهم في مجال مراقبة الطيور والسياحة البيئية، محولةً هذه الأنشطة إلى مصدر دعم اقتصادي للمجتمعات المحلية، ومحفزاً مجتمعياً للحفاظ على الموائل الطبيعية وتوثيق الأنواع المهاجرة والمقيمة. وقد تجلى دور الجمعية الميداني من خلال مشاركتها النشطة في فعاليات أسبوع البيئة، لدمج العمل التطوعي بالمعرفة العلمية.
الخاتمة
بناءً على المعطيات السابقة، يتبين أن المشهد البيئي في المملكة العربية السعودية يعيش فترة تحول هيكلي جذري. فقد أسست الجهود الوطنية المنهجية لوعي بيئي متقدم يرتكز على الستدامة وحماية الموائل الطبيعية كأولوية قصوى. وفي هذا السياق، يقدم ملف التنوع الأورنيث ولوجي )علم الطيور( دليلاً علمياً صارماً على ثراء المملكة الحيوي. إن احتضان البلاد لأكثر من 550 نوعاً من الطيور، وإدارتها لبرامج نوعية لإكثار أنواع حرجة مثل العقعق العسيري والحبارى الآسيوية، وتوفير الملاذ الآمن لملايين الطيور المهاجرة عبر الأراضي الرطبة في جزر فرسان والسواحل الممتدة؛ جميعها مؤشرات تؤكد أن السياسات البيئية الوطنية، المدعومة بمراكز علمية كالمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية وبشراكة نشطة مع جمعيات القطاع الثالث، تتجه بخطى واثقة نحو استعادة التوازن الإيكولوجي. إن حماية الطيور ليست مجرد ترٍفٍ علمي، بل هي حماية وصيانة لشبكة معقدة من السلاسل الغذائية التي تضمن استدامة الحياة وتدعم جودتها ضمن المحاور الستراتيجية لرؤية المملكة 2030.
للإطلاع أكثر على الرابط التالي
https://new.express.adobe.com/webpage/vDW13GCUTqBz5
المصادر
Terrestrial Wildlife Conservation | National Center for Wildlife https://www.ncw.gov.sa/en/terrestrial-wildlife
قائمة طيور نادرة مستوطنة في السعودية - سعوديبيديا : https://saudipedia.com/%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9%D8%B7%D9%8A%D9%88%D8%B1-%D9%86%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B7%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A- %D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9
Saudi Arabia Endemic Birds Checklist: https://lntreasures.com/saudib.html Birds of Arabia | Aramco Life: https://www.aramcolife.com/en/publications/the-arabiansun/articles/2020/week-50/birds-of-arabia The conservation status and distribution of the breeding birds of the Arabian Peninsula - IUCN (PDF): https://portals.iucn.org/library/sites/library/files/documents/RL-53-004.pdf Bird Checklists of the World - Saudi Arabia - Avibase: https://avibase.bsc-eoc.org/checklist.jsp?region=SA 300
نوع من الطيور تعلن الهجرة في سماء المملكة - جريدة الوطن السعودية :https://www.alwatan.com.sa/article/1142418 Release of 22 Endangered Birds in Prince Mohammed bin Salman Wildlife Reserve: https://www.ncw.gov.sa/en/news/Release-22-endangered-birds-in- Prince-Mohammed-bin-Salman-Reserve
بيئي / المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يُطلق برنامج التعداد ... )واس( :https://www.spa.gov.sa/N2256315 List of birds of Saudi Arabia - Wikipedia: https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_birds_of_Saudi_Arabia
المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية - المنصة الوطنية :https://my.gov.sa/ar/agencies/17390
المركز أعاد توطين أكثر من 7 آلاف كائن عبر برامج الإكثار... )مجلة المركز( : https://ncw.gov.sa/magazine/article/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2-%D8%A3%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D9%88%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-7-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86- %D8%B9%D8%A8/