هل يمكن للمدينة أن تصمَّم من أجل الإنسان أولًا؟ هذا السؤال أصبح محورًا رئيسيًا في مشاريع الأنسنة التي تشهدها المدينة المنورة اليوم.
تهدف أنسنة المدن إلى جعل الإنسان وخدمته في مقدمة الأولويات ولا يقتصر ذلك على الجانب المظهري فقط بل يشمل عدة جوانب مهمة مثل الجانب الإجرائي، والإنساني، والثقافي، والاجتماعي، والبيئي. ويُعد الجانب الإجرائي نقطة البداية، حيث يتم من خلاله تخطيط وتنفيذ مشاريع الأنسنة وفق رؤية واضحة.
تندرج هذه المشاريع ضمن مستهدفات رؤية 2030، وتُعد المدينة المنورة من أبرز النماذج في هذا المجال، حيث بدأت أمانة منطقة المدينة المنورة خلال عامي 2024 و2025 بتنفيذ وتأهيل نحو عشرين مشروعًا انطلاقًا من المنطقة المركزية المحيطة بالمسجد النبوي وصولًا إلى الطرق الرئيسية والفرعية.
وبطبيعة الحال فإن أي فكرة جديدة قد تواجه بعض النقد والرفض في بدايتها وقد حدث ذلك مع مشاريع الأنسنة، حيث عبّر بعض سكان المدينة عن استيائهم بسبب كثرة الأعمال في الطرق والأرصفة والمتاجر، وما تسببت به من تعطيل لحركة المرور كما طُرحت تساؤلات عديدة حول مدة تنفيذ هذه المشاريع ومدى نجاحها.
إلا أنه بعد إنجاز جزء كبير من هذه الأعمال تغيّرت نظرة الكثيرين حتى ممن كانوا معارضين لها في البداية، حيث ظهرت نتائجها الإيجابية بوضوح فقد أصبحت المساحات مهيأة للمشي والركض مع وجود مسارات مخصصة للدراجات وذوي الهمم إضافة إلى مسارات للمكفوفين في بعض المواقع.
كما زادت المساحات الخضراء والتشجير، وتحسنت الإضاءة في الطرق، وتوفرت أماكن للجلوس، وتم تطوير مواقف المركبات، وإضافة محطات انتظار لحافلات النقل.
قد أسهمت هذه التحسينات في جعل المدينة أكثر راحة وجمالًا، وشجعت الناس على المشي بدلًا من الاعتماد الكامل على السيارات مما انعكس إيجابيًا على جودة الحياة.اما من الجانب المظهري فقد تمت إزالة العديد من المباني العشوائية التي كانت تشوّه المشهد البصري، وإعادة تصميمها بما يتناسب مع هوية المدينة المنورة وطابعها.
ورغم هذه الإنجازات لا تزال هناك تحديات من أبرزها اتساع مساحة المدينة، وضرورة تنفيذ المشاريع بشكل تدريجي لتقليل الإزعاج على السكان إضافة إلى الحاجة لرفع وعي المجتمع بأهمية الحفاظ على المرافق العامة.تُعد مشاريع الأنسنة خطوة مهمة نحو جعل المدن أكثر ملاءمة للعيش ، ومع استمرار هذه الجهود تبرز المدينة المنورة كنموذج ناجح لمدينة تسعى إلى تحسين جودة الحياة.