رزان الجهني
5 قراءة دقيقة
28 Apr
28Apr

في زمنٍ باتت فيه البيئة قضية الأمم لا قضية المختصين، ثمة دولة تقف في قلب الصحراء العربية لتُعيد صياغة مفهوم السياحة من جذوره، وتُثبت أن الأرض الجافة قادرة على أن تحمل رسالة حضارية خضراء إلى العالم كله، المملكة العربية السعودية لم تكتفِ بأن تكون وجهةً سياحية ناشئة، بل قررت بجرأة واضحة أن تكون نموذجاً يُحتذى به في السياحة البيئية على المستوى العالمي، وهو رهانٌ كان يبدو قبل سنوات بعيداً عن التصور، لكنه اليوم يتشكّل بخطى راسخة على أرض الواقع. 

لم يأتِ هذا التحول من فراغ، فرؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كانت المحرك الرئيسي لإعادة رسم خارطة الاقتصاد الوطني، ومن ضمنه السياحة بكل أشكالها، غير أن اللافت حقاً هو الزاوية التي اختارتها المملكة لتدخل منها الملعب السياحي العالمي، لم تكن المنتجعات الفارهة وحدها هي الرهان، بل كانت الطبيعة الخام، والبيئة البكر، والتراث الجغرافي غير المُعبَّث به، هذا الاختيار في حد ذاته يحمل رسالة مفادها أن المملكة تُدرك أن عصر السياحة الاستهلاكية آخذ في الأفول، وأن المستقبل يخص من يُحسن التعامل مع الطبيعة لا من يُسرف في استنزافها. 

مشروع "نيوم" بأجنحته المتعددة، ومبادرة "السعودية الخضراء"، وإطلاق نحو سبعة وثلاثين محمية طبيعية تغطي ما يزيد على ستة عشر بالمئة من مساحة المملكة، كلها إشارات صريحة بأن القيادة تنظر إلى البيئة باعتبارها رصيداً استراتيجياً لا عبئاً ترفيهياً، محمية شرعان في العُلا، وأحراش الحِجر التاريخية، والحواجز المرجانية في البحر الأحمر، تتحول رويداً رويداً إلى محطات سياحية يقصدها المهتمون بالسياحة المسؤولة من شتى أنحاء الأرض، فيما تتنافس كبرى المنصات السياحية العالمية على تسليط الضوء عليها بوصفها وجهات استثنائية لا مثيل لها. 

ما يجعل التجربة السعودية مختلفة ليس فقط حجم الاستثمار، وإن كان ضخماً بامتياز، بل هو التفكير المنهجي في دمج البُعد البيئي مع البُعد الثقافي والاقتصادي في آنٍ واحد، العُلا تحديداً باتت تُجسّد هذا التلاقي بصورة استثنائية، فهي ليست مجرد موقع أثري يُستعرض، بل مساحة حية تتنفس فيها الطبيعة والتاريخ معاً، وتُستقبل فيها برامج تجريبية لإعادة التشجير واستعادة التنوع البيولوجي، فيما تُشرك المجتمعات المحلية في قلب هذه المنظومة لا على هامشها، وهذا الإشراك بالذات هو ما يُميّز النموذج السعودي عن كثير من تجارب السياحة البيئية في العالم التي أقصت السكان الأصليين باسم الحفاظ على الطبيعة. 

على صعيد المبادرات المناخية، تعهّدت المملكة بزرع عشرة مليارات شجرة على أراضيها، وهو رقم يصعب استيعابه لكنه يعكس جدية في قراءة المشهد البيئي العالمي، كما أن استضافة فعاليات دولية كمعرض "إكسبو الرياض" ومؤتمرات التغير المناخي تُرسّخ صورة المملكة بوصفها فاعلاً بيئياً لا متفرجاً، وتمنحها منصة للتأثير في صياغة السياسات البيئية الدولية بدلاً من الاكتفاء بتلقّيها، ولعل أبرز ما يمكن قراءته في هذا السياق هو أن المملكة باتت تُصدّر خطاباً بيئياً ذا مصداقية على الرغم من كونها من أكبر منتجي النفط في العالم، وهو ما يمنح رسالتها ثقلاً إضافياً في المحافل الدولية. 

أرى أن ثمة ما هو أعمق من الأرقام والمشاريع في هذا المشهد، إذ يبدو جلياً أن ما يجري يتجاوز التوجيه السياسي أو الاستجابة للضغوط الدولية، ليعكس تحولاً حقيقياً في الوعي الوطني بقيمة هذه الأرض وما تحمله من إرث طبيعي لا يُعوَّض، حين يتشكّل جيل سعودي يُدرك أن الوعل العربي في جبال الحجاز يستحق الحماية بقدر ما يستحق اهتمام السائح الأجنبي، وحين تُصبح محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية وجهة يفخر بها المواطن قبل الزائر، فذلك مؤشر على أن البذرة ضاربة في العمق وليست مجرد واجهة للاستهلاك الإعلامي، الإلهام الحقيقي لا يصدر عن خطط حكومية وحدها، بل عن تحول في الضمير الجمعي تجاه البيئة، وهو ما تُقدّمه المملكة اليوم بوصفه نموذجاً قابلاً للتصدير والاقتداء. 

يمكن القول أن ما تصنعه السعودية اليوم على صعيد السياحة البيئية يتجاوز كونه نموذجاً للدول النامية أو النفطية التي تبحث عن بدائل اقتصادية، إنها تُقدّم درساً أعمق لكل أمة تعتقد أن الطبيعة تعارض التنمية، الصحراء التي كان ينظر إليها العالم بوصفها فراغاً قاحلاً تتحول إلى منصة تُعلّم العالم كيف يُعيد قراءة الأرض، وكيف يبني عليها مستقبلاً لا يأكل من رصيد أبنائه، وحين تقود دولة نفطية هذا التحول بهذا المستوى من الطموح والجدية، فإن العالم لا يملك إلا أن يتوقف ويُصغي.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.