في البدء كانت الشجرة.. ثم فقدنا الطريقلم تكن علاقتنا بالأرض مجرد علاقة ساكن بمَسكن بل كانت أشبه بحبل سُرّي يمدّ أرواحنا بالسكينة قبل أن تمدّ أجسادنا بالقوت.
قديماً كان الإنسان يستيقظ على إيقاع الشمس ويغسل عينيه بخضرة المدى ثم يُنهي يومه بصمت الغسق. لم يكن يعرف آنذاك مصطلحات مثل الاكتئاب أو نوبات الهلع بالشكل الذي نألفه اليوم؛ ليس لأن حياته كانت سهلة بل لأن الطبيعة كانت هي الطبيب النفسي الأول والمستشار الصامت الذي يمتص فائض القلق البشري ويحوله إلى رضا فطري.ومع مرور الزمن بدأت الجدران الإسمنتية ترتفع وانحسرت الغابات لتترك مكانها لغابات من الفولاذ والزجاج. وبقدر ما اقتربنا من الرفاهية ابتعدنا عن العافية.
لقد حبسنا أنفسنا في صناديق مغلقة وأبدلنا زقزقة العصافير بطنين الأجهزة وضوء القمر بوهج الشاشات الزرقاء. في هذه اللحظة تحديداً بدأت أنفسنا تضيق بقدر ما ضاقت المساحات الخضراء من حولنا.
أصبحنا نشعر بوخز غريب وضيق تنفس لا تفسره صور الأشعة وتوتر لا تطفئه المهدئات.
والعلم اليوم يخبرنا بلسان واثق إنها الغربة عن الأرض. عندما يمرض الكوكب نمرض نحن أيضاً ليس فقط لأن الهواء يتلوث بل لأن مشهد الطبيعة المشوه يكسر شيئاً في لاوعينا. فحين تسقط شجرة في غابة بعيدة يسقط معها جزء من استقرارنا النفسي وحين تفيض البحار بالبلاستيك تفيض عقولنا بقلق المناخ؛ ذلك الضيف الثقيل الذي يهمس لنا في هدوء الليل: إلى أين نحن ذاهبون؟
لوسط هذا الضجيج لا يزال الطريق للعودة مفتوحاً وهو أبسط مما نتخيل. العودة تبدأ حين نتوقف عن اعتبار الطبيعة منظراً نشاهده ونبدأ في اعتبارها تجربة نعيشها. إن لحظة تأمل واحدة في شتلة صغيرة تنمو على نافذتك أو مشية حافية على رمال شاطئ ليست مجرد مضيعة للوقت بل هي عملية إعادة ضبط لمصنع الكيماويات المعقد داخل دماغك.
نحن بحاجة لإدراك أن حماية البيئة هي في جوهرها فعل أناني نبيل؛ فنحن حين نحمي الغابة نحن في الحقيقة نحمي هدوءنا الداخلي وحين نُنقي الهواء نحن نُنقي خيالنا من غبار اليأس. إن التصالح مع الأرض هو الطريق الوحيد للتصالح مع أنفسنا لأن الروح البشرية تماماً كالبذرة لا يمكنها أن تزهر في تربة مسمومة أو تحت سماء غارقة في الدخان.
ختاماً نحن لا ننقذ الكوكب.. الكوكب هو من سينقذنا إذا ما أعطيناه الفرصة ليتنفس لنتنفس نحن من بعده بعمق وسلام.